السيد محمد الصدر

106

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ثانياً : الذي ينبغي أن نلتفت إليه في جواب ذلك هو أنَّ الكتاب ماذا يكون معناه حينما يوضع وراء ظهره ؟ فهل معناه : أن يلصق ببدنه مباشرةً أو مع فاصلٍ ؟ والسياق قائمٌ على فهم البعد لا الالتصاق ، مع أنَّ الشيء الذي فوق ظهره ومحملٌ عليه يلصق به ، فمن هذه الناحية يوجد اختلافٌ بين هذا التصوّر والسياق المفهوم من الآية . الأُطروحة الثانية : أنَّ الله تعالى يجعل ذنوب الفرد وراء ظهره رحمةً به ؛ حتّى تخفى عن الناظرين ، ولا يراها أحدٌ . ويرد عليها إشكالان أيضاً : أوّلًا : إذا وضعت وراء ظهره فهو لا يراها ، وأمّا غيره فقابلٌ لأن يراها . ثانياً : أنَّه يقول : ( كتابه ) والكتاب فيه حسناتٌ وسيّئاتٌ ، وليس فقط سيّئاتٌ ، فإذا كان يريد أن يرحمه فإنَّما يضع سيّئاته وراء ظهره ، وليس إخفاء الحسنات ، فلعلّ إخفاء الحسنات ليست رحمةً إن كان إخفاء السيّئات رحمةً . وهناك جوابٌ آخر - وهو كثيراً ما يطرق أسماعنا ، وفيه درجةٌ من درجات الباطن - وهو أنَّ الله تعالى كثيراً ما يستر على العبد ذنوبه وينسيه ؛ لعدّة نتائج دنيويّةٍ وأُخرويّةٍ . أمّا الدنيويّة فهي أنَّ الإنسان إذا نسي ذنوبه فإنَّه سوف يتوجّه إلى ربّه ، ولا يهتمّ بالاستغفار الزائد ؛ لأنَّ الله تعالى يريد منّا أن نسير نحوه . وأمّا أُخرويّاً فلأجل أن لا يعاقبه ، ولأجل أن يعتبره غير مذنبٍ أصلًا ، وهذا يحصل لمَن يستحقّ شيئاً من القرب والثواب ، مع أنَّ هذا المعنى منافٍ لنصّ الآية في قوله تعالى : فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً « 1 » وقوله تعالى : وَيَصْلَى

--> ( 1 ) سورة الانشقاق ، الآية : 11 .